محمد بن محمد ابو شهبة

286

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال : أنتم تعرفون ودّي لكم ومحبتي إياكم ، إني محدّثكم حديثا فاكتموه عني ، فقالوا نفعل ، فقال لهم : إن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من قريش وغطفان جمعا من أشرافهم ، ونعطيكهم فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم . ثم خرج حتى أتى غطفان فقال : يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ، ولا أظنكم تتهمونني ، قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم ، قال لهم : فاكتموا عني قالوا : نفعل ، ثم أخبرهم بما أخبر به قريشا ، وحذّرهم مثل ما حذّرهم . نجاح التدبير فلما كانت ليلة السبت من شوال أرسل أبو سفيان بن حرب رؤوس غطفان وفدا برئاسة عكرمة بن أبي جهل إلى بني قريظة فقالوا لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخفّ والحافر - الإبل والخيل - فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ، ونفرغ مما بيننا وبينه ، فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت ، ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدّي فيه ، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم ، فإنا نخشى إن ضرّستكم الحرب « 1 » واشتد عليكم القتال أن تذهبوا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا به . فلما رجعت إليهم الرسل بذلك قالوا : واللّه إن الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحق ! ! فأرسلوا إلى بني قريظة : إنا واللّه لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا ، فلما انتهت إليهم الرسل بذلك قالت قريظة : إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ! ! فأرسلوا إلى قريش وغطفان : أنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهائن . وهكذا بلغ هذا التدبير المحكم غايته بالتفرقة بين قريظة والأحزاب .

--> ( 1 ) ضرستكم : ضعضعتكم ونالت منكم .